كوركيس عواد

221

الذخائر الشرقية

آثار العراق في نظر الكتاب العرب الأقدمين اعتاد الكتبة العرب الأقدمون ، من مؤرخين وبلدانيين ، على نعت المدن القديمة الغابرة العهد ، التي شيدت في عصور ما قبل الميلاد ، بنعوت مختلفة ، يدل بعضها على جهلهم بحقيقة تاريخ تلك المدن ، وقلة معرفتهم بما كانت عليه من ماض بعيد ، وما حوى ذلك الماضي من مآثر جليلة ، كشف التنقيب الحديث عن جملة من صفحاته اللامعة وأماط اللثام عن كثير من خفاياه وخباياه التي كانت لغزا من الألغاز ، بل سرا من الأسرار الغامضة ! . فقد كان أولئك الكتبة يصفون المدينة العراقية ، التي يرتقى تاريخها إلى عهود السومريين أو البابليين أو الآشوريين أو غيرهم من الأقوام المندرسة العريقة في القدم ، بكونها « مدينة أزلية » كأنها لبعدها في غياهب الماضي السحيق وجدت منذ الأزل . وإذا أرادوا نسبة بنائها إلى أحد ما ، قالوا إنها من بناء الجن ، أو من بناء سليمان الحكيم ، أو من بناء نمرود ، أو إبراهيم الخليل ، أو نوح ، أو سام ، أو ذي القرنين ، أو أنها من زمان عاد ، أو أنها كسروية ، أو غير ذلك من الأقوال التي تغلب الأسطورة فيها على الحقيقة ، ويرتفع الخيال على الواقع ! . إن معظم المدن والقرى السومرية والبابلية والآشورية ، إن لم نقل كلها ، كانت حين الفتح العربي للعراق ، خرائب مشعثة ، وتلولا شاخصة ، وأنقاضا مشوشة المعالم ؛ تشير إلى زمن بعيد ، فكانت تلك الحضارة العراقية القديمة وذيالك العمران الزاهر ، قد أسدل عليهما ستار النسيان منذ قرون عديدة . على أن بقايا بعض من تلك المدن ، كانت تمتد إليها الأيدي ، فتستخرج منها مواد